يمنع دخول النساء والأطفال وضعاف القلوب، باختصارٍ شديدٍ ممنوع الدخول !
كتبهاabumalik alqahtani ، في 16 أكتوبر 2007 الساعة: 15:56 م
10-12-2005
كان الرقم تسعة يثير الرعب في قلوب أعتى الرجال وأشدهم قسوةً وضراوةً في تلك الدولة الصغيرة من دول العالم الثالث، وكانت دائرة رأس الرقم تسعة 9 تشبه أنشوطة المشنقة التي تنصب لخنق الأحرار وكتم أنفاسهم، وتطفيش أرواحهم من عالم القهر والذل واليأس إلى عالمٍ آخرٍ، عالم أرحب وأجمل وأرقى، عالم قال فيه الشاعر المصري هاشم الرفاعي في نونيته المشهورة : وإلى لقاءٍ تحت ظل عدالةٍ - قدسية الأحكام والميزان، وكان هذا الرقم المنحوس يطلق على ذلك المبنى المخيف الذي يشيب لمرآه رأس الرضيع، فما بالكم إذا مر بجانبه إنسان، أو قادته خطاه العاثرة إلى دخوله يوماً، إنه مبنى المخابرات العامة الكائن أسفل التلة الحمراء، في الطرف الشمالي من العاصمة .
ارتبط اسم التلة الحمراء في أذهان سكان تلك البلدة بلون الدم الأحمر القاني المنسكب من أعناق الضحايا بفعل خناجر الجلادين، كان ارتباطاً شرطياً فقط كما يقول علماء النفس، ولم تكن تلك التلة تصطبغ بالون الأحمر، أو تشبه اللون الأحمر بحالٍ من الأحوال، بل كانت فيما مضى مرتعاً خصباً لقطيعٍ من الحمير المهاجرة التي استوطنتها وتكاثرت فوقها بشكلٍ غير نظاميٍ أو منطقيٍ، قطعان من الحمير الضالة استوطنت تلك التلة ووجدت بغيتها فوقها، من كلأٍ وأمانٍ وقلة أدبٍ ونومٍ، حتى تم اصطيادها وترويضها ثم بيعها في سوق البهائم العام، ومن ثم اقتبست تلك التلة اسمها المشهور من قطيع الحمير، بعد أن تم تحريف اسم الحمار إلى حميرٍ ثم حمر ليتشكل الاسم الأخير للتلة، التلة الحمراء !!
وكان الداخل إلى ذلك المبنى المشؤوم حماراً !! أقصد مفقوداً، والخارج منه !! استغفر الله، الذي يدخل لا يخرج بأي حالٍ من الأحوال، كان المسار واحداً، ون واي بكسر رقبة الواو الثانية على قول بني الأصفر، الذي يدخل إلى ذلك المبنى يدخل ليبقى ما بقي الدهر، وإذا قدر له أن يخرج منه فإنه يخرج منه على شكل منتجٍ صناعيٍ صرف، معجون أسنان، طماطم، مكنسة كهربائية، فردة حذاء، شرَاب، مذياعاً، بوقاً، طبلاً، بل وقد يخرج من المبنى وقد تحول إلى جحشٍ صغيرٍ ينفع للفرجة والتربية داخل منازل بني آدم، كحيوانٍ أليفٍ جميلٍ، كان ذلك المبنى وكراً لإعادة هيكلة الإنسان وتشكيله إلى منتجات استهلاكية تباع وتوزع على المستهلك، وتجد مكاناً لها على أرفف السوبر ماركات !!
كان المنحوس الأول …. أقصد المعتقل الأول واسمه فرحان يرسف في قيوده ويتأرجح كدميةٍ منكسة الرأس خبا فيها نور الحياة في الدور التاسع تحت الأرض، وكان الجلاد المكلف بالتحقيق معه يجلس تلقاء وجهه وهو يسأله : ما ودك تعترف بأنك قتلت الرئيس الأمريكي جون إف كيندي وحطيتها في هارفي أوزوالد !! ؟ بتثاقل مر أجابه المعتقل : فرحان : يا سيدي الفاضل قتل كينيدي قبل أن أولد بعشرة أعوامٍ، أسألك بالله شلون قتلته ؟
أجابه المحقق بصفعةٍ على خده، ولكمةٍ ضاريةٍ سددها إلى أنفه، ليستجمع أنفاسه قليلاً : سهلة يا حيوان، طلعت من بطن أمك وقتلته ثم عدت إلى بطنها مرةً أخرى !!
بكى فرحان ليقول في ضراعة : لم يخطب أبي أمي ساعة قتل الرئيس الأمريكي، لأن جدي لأمي رفض تزويج أبي من والدتي بسبب الطبقية المقيتة الضاربة بأعماقها في جذور المجتمع، قاطعه المحقق بضربةٍ من عصى شبه مطاطيةٍ ليقول له : لسنا ضيوفاً على برنامج أوبرا وينفري حتى تشكي لي وابكي لك، نحن في تحقيقٍ رسميٍ أيها الوغد الخائن، ثم أشبعه لكماً وصفعاً وركلاً وهو يصرخ في جنون اعترف حتى تنال الرحمة ويتم تسفيرك إلى العالم الآخر !!
قطع حبل الصمت الثقيل نشيج فرحان وصراخٍ متقطعٍ من عشرات البؤساء الذين يعج بهم الدور التاسع تحت الأرض، بدأ صبر المحقق ينفذ وفرحان ينتقل من النشيج إلى البكاء اليائس المر المختلط بالأيمان العشوائية، أقسم بالله أنني لم أقتل جون إف كينيدي، ثم هب أنني قتلته ما شأنكم أنتم بهذه الجريمة التي طوتها أربعة عقود ونسيها الزمن !؟
المحقق : لم تدع لي خياراً، ستة أشهرٍ وأنت تحت التعذيب، ستة أشهرٍ لا طائل من ورائها سوى العنت والنصب، لدي طريقة لاستنطاقك لا يصمد معها أعتى الأبالسة تحت أديم السماء، سأجبرك على الاعتراف وليغفر الله لي هذه الفعلة، لم يجدي معكم التعذيب ولا الضرب، ولا الحرق ولا الكي، ولا اغتصاب نساءكم أمام ناظريكم، لم يبقى لي أن أعرض هذه الورقة أمام ناظريك وليسامحني الله على هذه الجريمة ! ثم قال بصوت متهدرج مضطربٍ وخائفٍ احضروا الصندوق الأسود، استجمع فرحان قواه قليلاً ودب إليه التوتر والرعب الشديد، لقد سمع كثيراً عن الصندوق الأسود وتلك الورقة التي لا يصمد أمام أحرفها أقسى الرجال وأشدهم وحشية، فتح باب الزنزانة الحديدية في عنف شديد، وأنَت مفاصل باب الزنزانة في نحيبٍ مرعبٍ بفعل الصدأ الذي علاها، ليدخل إليها أربعة أشخاص يرتدون أقنعة سوداء وقفازاتٍ حمراء، اقتربوا من فرحان رويداً رويداً حتى اصطدموا بصفحة خده، قام زعيم المجموعة بفتح الصندوق وتناول قطعةً من صحيفةٍ عربيةٍ، ثم قام بعرضها أمام بصر فرحان، لم يكد فرحان يبصر صورة الكاتب واسمه حتى صرخ في جنونٍ، الرحمة الرحمة الرحمة، أنا الذي قتل جون إف كيندي ومارلين مونرو وشاه إيران، ثم بدأ يعوي ويتأرجح، وماهي إلا ثوان حتى غشي عليه !!
في غرفةٍ أخرى ليست بالبعيدة، كان هناك جلاداً آخر من نوع فريد، كان يسبح الله بمسبحته الطويلة ويستغفر الله ويدوس على رأس أحد المتهمين بحذائه العسكري الصارم وهو يقول : في عام 1967 قمت بتفجير سفينة التجسس الأمريكية ليبرتي التي كانت تتهادى وتمخر عباب المتوسط ؟
أجابه المتهم الثاني واسمه سامي : لا والذي رفع السماء بغير عمدٍ، ما فجرت وما رأيت وما ولدت، فأنا من مواليد 1980، قاطعه المحقق ساخراً : لا والذي رفع السماء بغير عمدٍ ها ! ليش ما تقول : لا والذي نفسي بيده مو أزين أيها الإسلاموي !؟ أشار بيده إلى مساعده أن اضغط القابس الأول ليسري تيار كهربائي بقوة 220 فلوت في جسد الضحية الممددة على آلة الصلب التي يطلقون عليها اسم العروسة، انتفض السجين المسكين وهو يصرخ ويعوي قائلاً : ما فجرت وما رأيت وما ولدت ساعتها، وضحكات المحقق تقطع عليه صرخاته .
أشار المحقق بيده إلى مساعده كفى، لا نريد فقده الآن، سأله المساعد كم له على هذه الوضعية ؟
أجابه المحقق : سنة وبضعة أشهرٍ .
قال له المساعد : لماذا لا نستعين بالصندوق الأسود لإجباره على الاعتراف ونغلق هذه القضية برمتها !؟ ارتسمت علامات الذعر والخوف على وجه المحقق وهو يتمتم : أشهد أن لا إله إلا الله، حوش حوش حوش، استغفر الله العظيم، أعوذ بالله من غضب الله، لدينا تعليمات مشددة من القيادة العليا باستعمال أقصى درجات الحذر وعدم اللجوء إلى الصندوق الأسود إلا إذا سدت جميع الأبواب في وجوهنا، أو إذا هدد أمننا القومي بشكلٍ مباشرٍ، لكنني لا أجد غضاضةً في استعمال الصندوق الأسود، شريطة أن أغادر الزنزانة والمبنى رقم 9 وتهتم أنت بالقضية، سأخرج أنا وتكفل أنت بموضوع الصندوق الأسود، ثم قال بصوتٍ مسموعٍ : اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا .
لم يصمد سامي أمام محتويات الصندوق الأسود جزءاً من الثانية، انتفض في قيوده، وأصيب بنوبة جنونٍ مطبقٍ، تمكن بسببها من كسر قيوده الحديدية وضرب أحد حملة الصندوق الأسود، حتى تمكنت مجموعة التدخل السريع من السيطرة عليه وتصفيده جيداً .
بعد أسبوعين اثنين، صدقت أقوال المتهمين أمام النيابة العسكرية، وتم نصب محاكمةٍ لهما داخل المبنى رقم 9 حضر قاضي محكمة أمن الدولة مع مساعديه، وتم إيقاف المتهم الأول بحضرته، سأله القاضي : اسمك فرحان ؟ لم يقوى المتهم على الكلام فاستعاض عنه بهز رأسه علامةً على الموافقة، ملحوظة : يد المحقق هزت رأس فرحان إلى أعلى وأسفل، سأله القاضي : أنت متهم بقتل الرئيس الأمريكي جون إف كينيدي قبل أربعة عقودٍ أليس كذلك ؟ قال له المدعي العام : نعم سيادة القاضي هو القاتل .
تمتم القاضي بصوتٍ مسموعٍ : بس غريبة، الأوراق عندي تقول : إنك لم تولد يا سيد فرحان ساعة تنفيذ عملية الاغتيال ! ثم قال : لا غريبة ولا حاجة، إن الله على كل شيءٍ قديرٍ، وجه سؤاله للمحقق : كيف استطعتم إجباره على الاعتراف !؟ وقد بلغني أنه عذب ونفخ وحرق واغتصبت زوجته أمام ناظريه ولم يعترف !؟
أجابه المحقق : أبداً، المسألة بسيطة جداً، أحضرنا الصندوق الأسود، وقمنا بفتحه وأخرجنا له قصاصةً من صحيفة الرياض، عليها مقالةً للأستاذ تركي السديري بعنوان سعودة الوظائف، فانسابت منه المعلومات والاعترافات كما ينساب النهر الرقراق من صلعة الجبل !!! أصيب القاضي بنوبة سعالٍ شديدةٍ وهو يستعيذ بالله ويستغفر، ويحوقل ويسترجع، ثم تمالك نفسه قليلاً قائلاً بأنفاسه : إعدام وللمحقق السجن والتوقيف، لاستعانته بهذه الوسيلة الإجرامية في نزع الاعترافات، إجبار الناس على قراءة مقالةٍ واحدةٍ لتركي السديري !! أعوذ بالله من غضب الله، لا وعن إيش عن السعودة، الله يخرب بيت الطغيان يا شيخ .
ثم نادى على المتهم الثاني سامي، دخل سامي محمولاً على نقالةٍ طبيةٍ وهو لا يتنفس، سأله القاضي أنت متهم بتفجير سفينة التجسس الأمريكية ليبرتي وقتل 34 بحاراً أمريكياً، ونسبة هذه الجريمة إلى دولة العدو الصهيوني، هل أنت مذنب أم لا ؟ أجابه أحد الجلادين طبعاً مذنب يا سعادة القاضي، قلب القاضي أوراق المتهم ليتمتم بينه وبين نفسه العجيب أن المتهم لم يولد إلا بعد عقدين من تنفيذه لهذه الجريمة، أكيد زور في أوراقه الرسمية، ثم وجه سؤاله للمحقق : أرجو أن يكون اعترافه تم بطريقةٍ نظاميةٍ، من جلدٍ وكيٍ وصفع وصعقٍ ! أرجو وآمل ألا يكون هناك صندوقاً أسوداً آخر ؟
أجابه المحقق : سيدي كنت خارج الزنزانة عندما أدلى باعترافه، والذي تولى كبر هذه القضية مساعدي الأمين .
حدج القاضي مساعد المحقق ببصره ليستنطقه قائلاً : كيف اعترف ؟
المساعد : سيدي، أدخلنا عليه إحدى صناديقنا السوداء، وفتحناها ونحن ننتفض فرقاً في قرفٍ واشمئزازٍ ورعبٍ، لم نتمكن من إخراج قصاصة الورق من تلك الصحيفة، ولم نجد بداً من تهديده بأتنا سنجبره على قراءة مقالة بروفيسور البرطميات المشهور الدكتور حمزة المزيني والموسومة باختطاف التعليم، فما إن سمع المتهم اسم بروفيسور البرطميات المشهور ( اللسانيات ) حتى جن تماماً .
انخرط بطن القاضي في المحكمة، وفاحت رائحته وهو يقول : إعدام لسامي، وتصفية جسدية للمساعد، وهذه استقالتي، سأرحل إلى الديار المقدسة طلباً للرحمة والمغفرة والصفح من الله، من الذي يجرؤ بعد الآن على أن ينام قرير العين، وكرامة المعتقلين تمتهن بالصناديق السوداء المرعبة، حمالة السم الزعاف من مقالات تركي وحمزة ومشعل ومشاري وبقية أدوات البلاء الفكري، والامتهان الإنساني !؟ ثم أنشد في حزنٍ شديدٍ :
ألا من يشتري سهراً بنوم - سعيد من ينام قرير عين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























