رحمك الله يا والدي ……… وتسعة عشر عاماً من البكاء

كتبهاabumalik alqahtani ، في 15 أكتوبر 2007 الساعة: 22:16 م

أحمد الحربي

21-10-2006

 

مرحباً بكم يا سادة يا كرام وسلامٌ من الله عليكم ورحمة منه وبركة ..

سيداتي آنساتي سادتي .. في ساحتنا الغراء

لقد اعتدتم مني الفكاهة والمرح في غير ما موضوع ، فكنتُ أسكب الجِدّ في قالب المرح ، وأُريق المرح على شوارع السخرية ، وأسخر حتى من حبّات السنابل ! وعلامَ وقوفها باعتداد وغطرسة !! .. غير أن اليوم لن يظهر في حُلّةِ أخيه بالأمس ، إنه يوم الدموع ! إنه يوم تسليم القياد للعيون ، وهي تقود المآقي والألحاظ ، في بحرٍ لجّيٍّ ، ذي موجٍ متلاطم ..

إنه الحديث عن والدي ، ذلك الأب الذي لو لم يكن مما كان ، وكان حيّاً ، لتنازلتُ له عن كل عمري ، لا أستثني دقيقة ولا ثانية ، وأيُّنا لا يفعل ذلك مع من لا يألو جهداً في إسعاد ابنه ، مع قلة ذات اليد ، وانسداد الطرق ، والأبواب الموصدة ..

رحمه الله ، وغفر له ، وبرّد مضجعه ، ومد له في قبره مُد بصره ، ووسع له فيه ، وأبدل سيئاته حسنات ، وجعله في روضات الجنات ..

عاش والدي فقيراً ، ومات فقيراً ، غاية ما ملك من الدنيا ! بيت شعبي صغير ، يضمه ويضم فراخه ، من أكبرهم أحمد الحربي ، إلى أصغرهم ، كانوا جميعاً رهن حُجرتين صغيرتين ، وكان البيت بكل منافعه يصغر عن صالة منزل أصغر تاجر ..

عاش والدي ، وليس له أخٌ ، يسنِد ظهره ، ويُقيم صلبه ، ويكون له عوناً إن نبا دهرٌ ، أو تقهقر حظ ، كان واحدَ أمه وأبيه ، وكان بَرّاً بهما ، يسعى لهما ، بما يملك ، وليت شعري ما كان يملك ؟! تالله وبالله ما كان يملك متجراً ، ولا أرضاً ، ولا خضراً ولا يابساً ، إن هي إلا ( الزفّة) ، ( معروفة بهذا الاسم في الحجاز ، وهي عبارة عن وعائين كبيرين ، يحملهما على كتفه بخشبة عارضة بينهما ) .. يضع فيهما الماء ، ليوصلها إلى من يريد السُّقيا ، في مقابل شيء يسيرٍ من المال .. وما كان يملك قصراً منيفاً ! ولا سيّارة ! ولا شيئاً قليلاً ولا كثيراً ، ولا رطبٍ ولا يابسٍ ، إلى أن منّ الله عليه بكرمه ولطفه ، فوظِّف في الجامعة الإسلامية مراسلاً ، فتحسّنت حاله شيئاً قليلاً ، وربك أحكم وأعلم وأرحم ..

مضى ذلك الوالد الشهم الكريم ، في وظيفته ، يحمل أمانتها بحقٍ وصدق ، لا يدخل بيته دينار ولا درهم إلا في مقابل قطرة من عَرَق ، أو أنّةٍ من عِرق ، هكذا كان .. رجلٌ يخاف الله والدار الأخرة ويرجو رحمة ربه ، إلى أن حدث ما لم يكن على خاطر ، ولم يخطر على بال .. لقد قدر الله عليه أن يفقد حبيبتيه ، جميعاً دفعةً واحدة ، فكُفّ بصرُه ، فأصبح لا يرى فلذات كبده ، وقد كان يلاعبهم عامّة يومه ، وغدا لا يرى زوجتيه ، وقد كان يأنس بهما في غربة فقره ، وكانتا نعم الأنيس ونعم الصاحبتين .. حقاً وصدقاً يا سادة ، مصائب لا كمصائب ! وكوارث لا ككوارث !

نعم يا سادة .. قعد والدي في بيته لا يدري ما يفعل ، وقد قارب الستين من عمره ، لقد أقعده في بيته فَقْدُ بصره ، وما أقعده كسلٌ ، ولا تسويفٌ ، ولا تقدّمٌ السن ، ولا سوء ظنٍّ بربه

فقد كان حسن الظن بربه جداً ، فاحتار لا يدري أين السبيل ! أكبر أبنائه لم يتجاوز الحادية عشر من عمره ، وما من أحدٍ يستطيع نفعه بوظيفة ، فقد كان لا يقرأ ولا يكتب ، لا عزوفاً عن العلم ، ورَغَباً عنه ، كلا ولا ، إنما لم يتسنّى له التعليم ، لحاجته وحاجة والديه ، كيف وهو الذي حرِص على تعليم أولاده ، في أسلوبٍ تربوي ، يُضاهي الأساليب التربوية المعاصرة ..

قعد والدي في بيته ، ليس لديه إلا لُعاعة التقاعد ، حتى إذا ما انتهى بين غمضة عينٍ وانتباهتها ، طفق يستدين من هذا وذاك ، وكثيراً ما يجد ، وربما لم يجد ، يستدين ، ويحمِّل نفسه هموم الدين وأعباءه ، من أجل أن لا يشعر فراخه الصغار بحاجة ، وأن يراهم كما الصغار من أترابهم ، يمرحون ويلعبون ، ينظر إليهم بقلبه لا ببصره ، يسمع ضحكاتهم ، وربما اغرورقت عيناه بالدموع ، أيجِدُ في شهره التالي ما يسعدون به ! أيجد ما يلهون به ! أم يجلس يقلب كفيه ! لا حول ولا قوة ..

أنهى أكبر أبنائه المرحلة الابتدائية ، ثم المتوسطة .. وقد كان يرعاه من خلفه ، فكان نعم المُربّي ونعم المعلم ، كنتُ كلما رجعتُ من المدرسة ، ناداني ، وأجلسني بجانبه ، ثم يقول ما أخذت اليوم من الدرس ؟ فأحكي له ما كان في ذلك اليوم الدراسي ، من الحِصة الأولى وحتى السادسة ، وما قال لي المعلم وما قلتُ له ، كل يومٍ تقريباً على هذا المنوال لا يكِلُّ ولا يَمَلّ .. فبا الله عليكم أيُّ أسلوبٍ تربوي ترون ؟! .. هذا منه وهو الذي ما درس ولا أُتيح له التعليم ..

لقد تعلمتُ من أبي كثيراً من السُنن ، بالقُدوة والأُسوة ، أكثر من القول والوعظ ، كالشرب جالساً ، ولُبس ما احتيج لمعالجة من الأحذية ـ أكرمكم الله ورفع مُقامكم ـ ، كما تعلمتُ منه حُبّ العقيدة ، فقد كان يحبها ويحب من يتحدث حولها ، وكنتُ إذا ذهبنا إلى الحرم وصادف أن يكون خطيب تلك الجمعة الشيخ علي الحذيفي حفظه الله ، كان يقول لي بعد أن نخرج ، هذا الشيخ الحذيفي عنده عقيدة ..

دعوني أذكر شيئاً مما أتذكره ـ قبل أن يفوت قطار الأسطر ـ أذكر أني حين كنت صغيراً ، وكنتُ أستقبله قبل دخوله المنزل ، قافلاً من صلاته ، فيحملني بيديه ، ويضعني على كتفيه ، إلى أن نصل إلى المنزل ..

تقول والدتي ـ أطال الله في عمرها ، ومتعها بوافر من الصحة والعافية ، ومتعنا بها ـ إن والدك ما دخل يوماً إلى المنزل إلا وفي يده شيء ، يؤكل أو يُشرب ، فيفرح بذلك من في البيت ، إنه أسلوب رائع في التربية الأسرية ، فهل يفعل الأزواج كذلك ؟!

كنتُ أذهب في صحبته إلى المسجد النبوي ، كان كفيفاً ، ولكنه كان يقودني ، فكان هو القائد وكنتُ المقود ، كنتُ كلما وصلنا إلى مكان في طريقنا إلى المسجد النبوي ، قلتُ له أين نحن الآن ؟ فيذكر اسم المكان كأنه يراه ، وما أخطأ يوماً من الأيام .. حتى إذا ما دخلنا الحرم لصلاة التراويح ، ووقف مع المصلِّين ، يرجو الله والدار الآخرة ، تقهقرتُ عنه بصفٍّ أو صفين ، فقد كان بكّاءً وكنتُ لا أحتمل أن أراه باكياً ، حتى لربه ، قصور فهمٍ من ذلك الصغير ..

كان يبكي حتى في العيد ! فبعد أن نخرج من صلاة العيد ، أنظر إليه وقد أسبل الدمع ، فأقول ما يبكيك يا والدي ؟ فيقول لقد قست قلوب الناس ، اليوم يوم الجوائز ..

وقد كان محافظاً على ركعتي الضحى ، وعلى السنن الرواتب ..

ومع أن دمعته على شفا جرُفٍ هارٍ بعينيه ، فقد كان ضحوكاً بسوماً ، يمزح ويضحك ، فيأتيه من يمزح معه ، ويمسك يده بتلصص ، فيناديه باسمه ، من قبل أن يسمع صوته ، ثم يقول له ( وش اسمك اليوم ) ..

بعد أن التحقتُ بالمرحلة الثانوية ، وقد كان والدي قد جاوز الستين بثلاث ، وكان كما هو ، يسألني عن دروس اليوم ، فأخبره .. فمضتِ السنة الأولى ، ثم الثانية ، حتى حضرتِ السنة الثالثة ، فيا لها من سنة ما أشدها وأقساها ! ويا له من عامٍ ما أصعبه ! لقد توالتِ الأمراض على ذلك الرجل الكفيف ، وقد كانتِ الأمراض تعاوده منذ صِباه ، لكنها اشتدّت عليه عندما تقدم في السن ، تكفيراً لخطاياه ، ورفعةً لدرجاته ، فأذكر أنه في إحدى مرات اشتداد المرض عليه ، وقد بلغ منه مبلغاً عظيماً من الألم ، وليس لدى الابن الكبير سيارة ليسعف بها والده الكفيف ، فجاء بعض أقاربنا ليأخذه ، فناداني وقال لي .. يا أحمد .. مع السلامة ، مع السلامة .. يقولها والأنين لا يفارقه ، ثم ذهبوا به إلى المستشفى ، وذهب الابن الكبير إلى مدرسته الثانوية ، فخبِّروني عن حال ذلك الابن كيف هي ؟! ذهب لا يدري ما الله صانعٌ بأبيه .. ذهبتُ وما لي مزاجٌ في مدرسة ولا ضحكٍ ولا لعب ، أرى الناس يضحكون ويلعبون ، ويأكلون ويشربون ، وفكري كله في أبي ، توجّساً وخيفة أن يحدث شيءٌ لا يُطاق .. حتى رجعتُ من الثانوية ، متلهِّفاً لرؤياه ، وما كنتُ أعلم عن خبره شيئاً ، دخلتُ المنزل فرأيتُ والدتي باسمة ضاحكة ، ففرج عني ما كنتُ فيه كما فُرِّج عن النفر الثلاثة أصحاب الغار ، فلما أن رأيتُه هانئاً وادعاً ، هويتُ إليه أُقبِّله ، وأحمد له السلامة ، وهو يضحك ، ولكنه ما ترك عادته ، فقد سألني ماذا أخذتَ من الدروس اليوم ؟

وما مضى على هذه الحادثة شهر أو شهران ، حتى عاوده المرض ، بأشد من ذي قبل ، فأدخلته المستشفى ، وقد كنتُ اشتريت سيارة قديمة ، بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة ، فغاب والدي في غيبوبة مدة أسبوعين ، فقد كان به مرض تليّف الكبد ، وكنا أنا وابن عمه الوحيد نتُناوب المبيت عنده ، وقد كان نعم ابن العم ونعم الصديق لوالدي ، لم يتخلّ عنه يوماً من الدهر .. يبيت ليلة وأبيتُ ليلة ، حتى جاء عصر يوم الخميس ، وكنتُ عنده ، فناداني ، وطلب ماءً فأعطيته إياه ، فما قربه من شفتيه ، وبل ريقه ، حتى ردّه ولم يشربه ، فاستغربتُ من ذلك ، وما علمتُ أنها سكرات الموت ، وأن ملك الموت بجانب ذلك الكفيف .. خرجتُ من الغرفة وغبتُ دقيقة واحدة ، وقد كان خالي بجواره ، ثم رجعتُ وإذا خالي يبكي بحرقة ، دخلتُ إلى الغرفة وتوجهتُ إلى ذلك السرير .. وإذا بذلك الوالد الشهم قد أسلم الروح إلى بارئها ، فدارت بي الدنيا فما عدتُ أرى شيئاً ولا أشعر بشيء ، غير أني أرى والدي لا يتكلم ولا يستجيب لشيء .. وضعتُ يدي على رقبته وإذا بها ثقيلة ، ليست كما كانت في لِينها ، أهويتُ عليه أقبِّله ، قبّلته وخرجتُ من الغرفة ، ثم جاء الأطباء والمسعفون ، ولكن قدرُ الله حضر ، ولا تُؤخرُ نفسٌ إذا جاء أجلها ..

أصدقكم يا سادة .. أنني حينها لم أبكِ ، ولم تنزل لي دمعة ، لست أدري السبب ، فربما هول الحادثة أعطب كل مشاعري ، وإلى يومك هذا لم أستطع أن أرثيه بقصيدة تليق بمقامه ، سوى هذا المقال ..

خرجتُ من المستشفى ، وركبتُ سيارتي ، ولكن إلى أين .. لستُ أدري .. انطلقتُ إلى الحارة ، هل أذهب إلى المنزل ؟ لا .. فما أستطيع أن أخبر والدتي وإخواني بأمر كهذا .. أكملتُ طريقي خارجاً من الحارة .. أنظر إلى رجالٍ من الأقرباء قاعدين بجوار المسجد ينتظرون الصلاة ، هممتُ بإخبارهم فما استطعتُ ، خرجتُ وأنا أنظر إلى أقراني يلعبون ، بينما أنا في أمرٍ جلل.. توجّهتُ إلى المستشفى مرة أخرى ، وإذا بالخبر قد وصل إلى ابن عمي الذي جاء

في حالة من البكاء لا يعلمها إلا الله ، فقد كانا صديقين حميمين ، وصاحبين وفيّين .. أما أنا فما بكيت ..

أخرجناه من المستشفى وصلينا عليه ثم دفناه ، وهناك هناك في البقيع ، سقطتْ بعض دمعاتٍ ، وشيءٌ من البكاء ، لا يُعدّ شيئاً في مقابل حُبي لوالدي .. حتى في العزاء لم أستطع البكاء ، ولم يخطر لي على بال ، مع ما أرى من حولي .. وقد كان جدّي ، والد أمي ـ رحمه الله ـ يقول لي بعد ذلك ، أعجبتني يا أحمد لأنك لم تبكِ !! آه يا جدّي لو تعلم ماذا أصابني جرّاء معصية الدمع لي في وقته وإبّانه !!

مضتِ أيام العزاء الثلاث , ولم أبكِ ، ومضتِ الشهور ولم أبكِ .. حتى جاء يومٌ بكيت فيه ولا بكاء الثُّكالى ، بكيتُ يوم ضحك الناس ، وتذكرته يوم نسوه ، ولَها كلٌّ بنفسه وبعياله .. ومنذ ذلك اليوم ، وتسعة عشر عاماً بعده ، لم يرقأ لي دمع ، ولم تجف لي عين ، وما تمر مناسبة يسعد بها من حولي إلا تذكرته وبكيت كالأطفال ، وهاهو العيد السعيد يذكرني به ، فأبكيه ملء عيني وبكل دمعي ، ولَكَم وكم .. رفعتُ اللُّقمة إلى فمي ، والنفس تشتهيها ، فما أتذكره إلا وأعيدها إلى صويحباتها ، وأترك غدائي ، لأنعم بالبكاء على والدي .. وكم أجد من راحة بعد ذلك ..

رحمك الله أيها الوالد الكريم .. وأسكنك ربك الفردوس الأعلى .. وتالله لو كنتَ عند غيره لقتلتُ نفسي ، وأبدل الله سيئاتك حسنات .. وجعلك مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .. وجزاك عني خير ما جزى والداً عن ولده .. اللهم افسح له في قبره ووسع له فيه .. اللهم اجعله في روضة من رياض الجنة ، ونعوذ بك أن تجعله في غيرها .. اللهم أكرم نزله ووسع مدخله وأدخله الجنة

سامحوني أحبتي وقرة عيني .. أن أشركتُكم في أحزاني ، لكنها حاجة في نفس يعقوب قضاها ..

دمتم بخير ورضى

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر